الطّلقة الأخيرة
حزم ما خفّ أو ما بقي من أمتعة وغادر أرض العراق المحترقة ، ليعود إلى تونس .. ليعود بالتّحديد إلى مسقط رأسه .. قرية تربض تحت وطأة الزّمن وتهميش الحكّام ، على الحدود الشّمالية للجزائر … عاد ومعه ابنُه الوحيدُ أكرمُ .. صبيّ بلغ من العمر سبعَ سنواتٍ .. صبيٌّ حكمتْ عليه الحربُ باليُتْمِ حين اِستشهدتْ والدتُه تحت القصف الأمريكي الذي لا يستثني عِداؤُه أحدًا في بلادِ العرب..
عاد أبو أكرم إلى بلده من جديد بعد أن ترك وراءه كلّ شيء .. عمله ، منزله الذي حوّله القصف إلى ركام من حجارة تلوّنها الدّماء.. ترك بعض ما تبقى من أشلاء زوجته الشهيدة أمّ أكرم.. أشلاء جمّعها في كيس وأودعها تراب مقبرة جماعية ..
لم يستطع أبو أكرم أن يوفّق بين العمل ، لتوفير لقمة العيش ، والعناية بابنه الذي كان يحتاج منه متابعة مستمرّة .. كان هاجسه الوحيد أن يوفّر لفلذة كبده جوّا من الدفء العائلي يخفف عنه شعورَه المرير باليُتْمِ … لذلك اِعتبر نفسه محظوظا حين وجد أنّ الفتاة التي أحبّها قبل هجرته إلى العراق مازالت لم تتزوّجْ… أكبر فيها وفاءَها لعهده وإصرارَها على عدم الزّواج بعد أن رفض والداها زواجَها منه…
تزوّجها العمّ جابرُ بعد ثلاث سنوات من عودته إلى أرض الوطن..
كانت سعادته لا توصف لِمَا يلحظُه من اِهتمامٍ بأكرم وعنايةٍ بدراسته..
ولكنّ سعادته لم تدم طويلا.. فمنذ الأسابيع الأولى لحملها برمزي ، تغيّر سلوكها نحو طفله اليتيم… صار مزاجها متقلّبا… وتحوّل حبُّها لأكرم نفورا وإهمالا وعداءً.. وكثيرا ما كانت تقوم بتعنيفه لأتفه الأسباب.. كلّ ذلك والعمّ جابر يبرّر ما يجري ويجد الحملَ سببًا في سلوك زوجته تجاه طفله المسكين.. ولكن الأمر لم يقفْ عند ذلك .. فقد تفاقم الوضع بولادة رمزي … صارت جميلة تجبر الطّفل أكرم على العناية بأخيه .. فكان المسكين ممزّقا بين واجباته المدرسية و الأوامر التي لا تنتهي لـ”أميّ جميلة” كما كان يُجبَرُ على مناداتها…
وازدادت حياة أكرم مشقّة حين دخل رمزي المدرسة.. كانت زوجة أبيه تجبره على السّهر إلى ساعات متأخرة من الليل لمساعدة أخيه في مراجعة الدّرس…
وذات مساء تسمّر أكرم أمام الباب الخارجيّ للمنزل حين سمع نقاشا متشنّجا وصراخا :
~ حرام عليك يا امرأة ! مازال يفصله شهرٌ على امتحان الباكلوريا..!
~ وإن يكنْ.. ماذا سيفعل بتلك الشهادة ؟ في كل الأحوال سينقطع عن الدراسة…. فأنت لن تقدر على توفير مصاريف الجامعة .. ثمّ إنّ رمزي يحتاج منك كلّ مليم يوفّره عملك غير القارّ ..
~ وأكرمُ..! أليس ابني ؟ ألا..
تقاطعه :
~ أعلمُ أنّه اِبنك.. لا تذكّرني بهذا بين الفينة والأخرى.. وأعلم أيضا أنّه صار رجلا .. ويجب أن يشتغل في أيّ شيء حتى يساعدك في توفير حاجياتنا وحاجيات أخيه..!
كان أكرم شديد التعلّق بأبيه.. فهو الأب والأمّ والأخ والصديق.. هو كل شيء بالنسبة له.. لذلك قالها دون أدنى تردّد « أبي .. لا تغضب من كلامي أرجوك .. أمّي جميلة على حقّ.. فلا تتشاجرا لأجلي.. من الغد سأبحث لي عن عملٍ..»
مرّت سنوات عن مغادرة أكرم مقاعد الدّراسة … وكانت العائلة تعيش حياة هادئة رغم ما يحسّه العمّ جابر
من مرارة .. كان يشاهد بكل أسف ولوعة كيف ينهار الحلم ويتحوّل إلى سراب.. الحلم بأن يرى اِبنه أكرم في أعلى المراتب .. لم يكن حلمه وحده.. كان حلم المرحومة زوجته العراقية.. الستّ هيام الشّهيدة..
ولكنّه كان دائما يطرد الأفكار السوداء من رأسه « الحمد لله الذي لا يُحمدُ على مكروه سواه..»
كان الطقس شديد البرودة .. إنّه يوم من أيّام “اللّيالي السّود” …خرج العمّ جابر ككلّ يوم أحد ، يمارس هوايته في صيد الأرنب البرّي والحجل بالجبل المتاخم للقرية… وكان أكرم قد خرج للاحتطاب … كانت الشّمس تنحدر نحو الغروب .. وكان أكرم يحسب في ابتسامة عريضة طلقات البندقيّة في كل مرّة .. هو يعرف أنّ أباه صيّاد لا يخطئُ المرمى… قال في نفسه وهو يجثو على ركبتيْه ليقف من جديد وحزمة الحطب على ظهره « مازال بالبندقية طلقتان .. »
قطع أكرمُ مسافة أمتار في اتّجاه المنزل .. فجأة سمع طلقة تصحبها صرخةٌ سرعانما تلتها قهقهة..!!!
ألقى بحزمة الحطب من على ظهره وعاد راكضا نحو الجبل.. أباه ممدّدا على ظهره جثّة هامدة… وعامر المعتوه يمسك البندقيّة في نشوة ..
ارتمى أكرم يتحسّس نبض أبيه حين سمع المعتوه يقول في غبطة « هيّا .. تقدّما … لا تقفا هكذا ! »
التفت أكرم ليجد ” أمي جميلة” تخفي أخاه رمزي وراء ظهرها وتضربُ بيديها على صدرها في صمت .. ازداد خوفه حين تذكّر أن البندقية مازالت تحمل طلقة عيار ..
قطع شروده صوت عامر المعتوه «لا تخف يا فتى .. لن أقتلك أنت.. يجب أن أكون عادلا.. قتلتُ أباه… (يقهقه في تشنّج ) إذنْ.. سأقتلُ أمّك..»
يصوّب فوهة البندقيّة نحو صدر الأمّ… وهو يضغط على الزّر ، يرتمي أكرم عليه في لمح البصر … لكنّ الطّلقة واصلت طريقها .. هذه المرة نحو صدر أكرم … اِبتسم وهو يلفض أنفاسه الأخيرةَ « لا تزجعي “أمّي جميلة”.. إنّها الطلقة الأخيرة.. أخي رمزي يحتاجك.. ولا حاجة لي بحياة غادرتها أمّي واختفى منها أبي..»------(انتهتْ)



















































































