هاهي الرّسائل جاثمة في الحديقة تنتظر دفنها…. ألف رسالة ورسالة أكتبها يوميّا على غيوم الخريف الغاضب بسواد قلوب البشر…رسائل أبعثها إلى ربّ العباد،لعلّه يمنعهم عنّا… ألف رسالة ورسالة وَصَفْتُ فيها بشاعة هذا العالم،ثمّ غَمَسْتُهَا في الحضيض لِتجتاح رائحتها عنان السّماء فتتأفّف الملائكة وتبكينا،وترجو الله أن يُبعد عنّا هؤلاء البشر،… رسائل أَخْبَرْتُ فيها ربّ العباد أنّه وعدنا بالخلاص…وهانحن ننتظر هذا الخلاص منذ سنين،… رسائل لم تصل إلى السّماء،فشياطين الإنس اعترضت سبيلها واغتالت الحمام الزّاجل وألقت بها في حديقتي،… رسائل ستدفنها الطّيور قبل أن تُهَاجِرَ أرضنا دون عودة… رحيم هو الدُّودُ اليوم بهذه الرّسائل فقد اصطفّ في خشوع وأعلن أنّه لن يأكلها لأنّ هذه النّهاية لا يستحقّها إلا بنو البشر… أنا الآن خلف زجاج نافذتي أراقب موكب الدّفن المجيد،… وكعادتي لا تُزْعِجُنِي مشاهد التّأبين الّتي لَبِسَتْ اليوم رداء النّفاق المعهود كما عَهِدْتُهُ في كلّ موكب جديد لموت الأحلام.. تَرَشَّفْتُ قهوتي على مهل،ومع كلّ رشفة كُنْتُ أُرَاقِبُ هَيْلَ رسالة من رسائلي إلى ربّ العباد،إلى أن اكتمل هَيْلُ ألف رسالة…وبَقِيَتْ رسالة واحدة بعد الألف… أَنَسِيتُمْ أنّني أخبرتكم أنّني كتبتُ ألف رسالة ورسالة!!!! اِبْتَسَمَتْ قهوتي خلسة حتّى لا تراها الطّيور والغيوم والدّيدان فتغضبَ،ففي عاداتنا تُمْنَعُ الابتسامةُ في حضرة الموت…لكننّي ضَحِكْتُ بأعلى صوتي وقلتُ لقهوتي المسكينة:”لقد أصبح الموت نجاة في أرضنا،…لقد تَرَكْتُ رسالة واحدة وسَأُعِيدُ إرسالها إلى ربّ العباد من جديد لأقول له:”أَعْلَمُ أنّ الغد أفضل بإذنك ولذلك أنا أَنْعَمُ بالحياة،…هذه رسالتي،…رسالة لا تتطلّب قلما يكتبها،رسالة لا تتطلّب حماما يحملها،…رسالة يبعثها لك القلب الّذي ينتظر غدا أفضل”…
_________________[[ليلى كافي/تونس]]



















































































